بأي لغة يفكّر متعدد اللغات؟

أحد الأمور التي لا أشكره الله عليها بشكل كافي هي أني ولدت ولغتي الأم هي اللغة العربية. المكان الذي ولدت فيه والبيئة التي نشئت فيها سمحت لي بتعلّم القرآن الكريم وتقويم لساني. ولدت في بيت يقرأ و أذكر أني في الصف الثالث الإبتدائي، في حصة التعبير لم يصدّق المعلّم ماكتبته وقال لي أنت لم تكتب هذا، منبهر جداً من الإسلوب!

تسألني ماذا حدث لك عبدالرحمن؟ لماذا كل تدويناتك فيها أخطاء إملائية؟ تستخدم كلمات مترادفة؟ أو متضادة أحياناً 😆

أمممم أعتقد ببساطة من عمر ثمانية عشر سنة بدأت في إستهلاك المحتوى الإنجليزي وإنقطعت عن إستهلاك المحتوى العربي إلى حوالي سن الثلاثين.

لكن في السنوات الآخيرة بعد تعرّفي لبعض الإصدقاء العرب الذين لسبب ما أصبحت اللغة الإنجليزية هي لغتهم المستخدمة في الحديث ويواجهون صعوبة بالتعبير في اللغة العربية و قراءة القرآن بشكل صحيح حينها أدركت كم أني في نعمة لا أشكرها بالشكل الكافي.

السنة الماضية كنت أتحدث مع صذيقي أنس قدس. مسلم مغربي من أصل أمازيغي وولد في هولندا. يتحدث أنس العربية و الفرنسية و الإنجليزية و تريفيت (لغة أمازيغية) بدرجات متفاوتة في الطلاقة وسألته عندما تفكّر، أي لغة تستخدم ؟ أجاب أنس ” يعتمد على السياق، أحياناً بالإنجليزية و الهولندية في الأمور الشخصية لتمكني من إستخدام المراجع الثقافية ( cultural references ) لعدم معرفتي مالذي يقابلها في اللغة الإنجليزية وفي الصلاة أو عند مخاطبة الله أستخدم العربية و عندما لا أعرف الكلمة التي تعبّر عن سؤالي أنتقل إلى لغة التريفيت بغير إدراك”. إستطردت وسألت أنس عن لو إفترضنا أنه يحتاج إلى إبقاء لغتين فقط ، يمكنك الإستماع لإجابته هنا. 😃

حديثي مع أنس دعاني إلى التفكير. الآن الله أنزل القرآن باللغة العربية وأنا ولدت أتحدّث هذه اللغة وهي اللغة التي أعرفها إلى أنا أصبح عمري أربعة عشر عاماً ولا أستثمر فيها بالشكل الكافي؟ في الحقيقة أشعر بالتقصير. طبعاً الهاجس الآخر هو ضرورة الإتقان للغة الإنجليزية لما فيه من بعد إستراتيجي و ربط مع العالم الخارجي. التحدي هنا هو أني أريد أن أكون متمكّن من كلتا اللغتين. العربية لأسباب كثيرة والإنجليزية لأبعاد إستراتيجية. (نعم، أحاول إستخدام كلمة إستراتيجية كلما سمحت لي الفرصة أو حتى لو لم تسمح 😎)

ألاحظ حالياً أني عندما أكتب باللغة العربية أترجم من غير إدراك. ترتيب الكلمات في رأسي يتأثر لأني أترجم ، فكأن الكلام يأتيني باللغة الأنجليزية (على حسب الموضوع) ومن ثم أترجمه إلى اللغة العربية.

لاأعرف كيف أعطّل الترجمة وأكتب من مخزون الكلمات العربية التي يأتي معها الأسلوب الذي أعلم أني أعرفه لكن لايمكنني الوصول إليه بسبب الطريقة التي بدأت فيها الكتابة.

قمت ببحث بسيط عن عن القراءة والكتابة بأكثر من لغة، ووجدت بعض المقولات التي تستحق المشاركة:

أمين الزاوي

وأشعر بسعادة في هذه القراءة المزدوجة التي تثير في مخيالات متعددة وفضولا متعددا.. لذا، فاختيار لغة الكتابة ليس نتاج عقدة؛ إنما نتاج مغامرة، هو نتاج العيش والسكن في الآخر وفي الذات في الوقت نفسه.ـ

أحمد م. أحمد – المصدر


يرى الشاعر والمترجم السوري أحمد م. أحمد الذي يترجم عن اللغة الإنكليزيَّة أن: “لا شيء يغني النصّ الأدبي أكثر من اطّلاع كاتبه على آداب وثقافات أخرى، أشعر بغنى أكبر وبقدرتي على الدخول إلى عوالم أكثر اتساعاً مع لغتي الإنكليزيَّة، فهي اللغة التي تترجَم إليها أولاً كافة الثقافات الأخرى”، وعن التأثير يتابع: “أنا مسكون بلغتي العربيَّة، ومع ذلك تطعَّم نصّي العربي بمؤثّرات شعراء يكتبون بالإنكليزيَّة، ومعظم هذه المؤثرات عبرتْ (فلتر المقارنة) الذي أحمله في داخلي. تشبّعتُ بنصوص لبعض الشعراء، ونبذتُ بعضها الآخر، هناك فرق كبير بين قصيدة سيميك “ماذا قال الغجر” وبين قصيدته عن الكلب ذي الأرجل الستّ، الأولى ملهمة وعميقة وصادمة، والثانية، برأيي الشخصي، غير صالحة للنشر. إذاً، هناك شيء اسمه التأثّر العكسي، إن تتمرَّد على تقاليد شاعر غربي، وتعود لتعتدَّ بشعريَّة العرب، وأدَّعي أن تأثّري كان تأثُّراً عكسيَّاً، إلّا من (الجرأة) التي اكتسبتُها من نصوص الثقافة الأخرى، الجرأة الشكلانيَّة، بالإضافة إلى العوالم والصور، التي شعرتُ في بعض كتابتي أنني تجاوزتها. أنا من جماعة (التأثر العكسي)، ولستُ مصاباً برهاب الأسماء الغربيَّة الكبيرة، وهذا نوع من التأثّر (أُدين) به لآداب الغرب”، وحول كتابته بلغة مختلفة عن لغته الأمّ يقول أحمد: “أكتب بالإنكليزيَّة أحياناً، لكن عوالم هذه الكتابات، على قلّتها، هي عوالم وهموم عربيَّة، لكنها لو نُشرت لأعطت القارئ الناطق بالإنكليزية تصوّراً ما عن الثقافة العربيَّة، بالمقابل، لا أجد مشكلة في استخدام كلمة إنكليزية في نصٍّ لي، أو حادثة، أو اسم صديق أو امرأة أميركية حيث أقمتُ لسنوات، أفكّر باللغتين، وأعيشُ الثقافتين دون أدنى فصام، فالألم والأمل البشريّان واحدان، لا أشغل نفسي بهذه الثنائية (نحنُ وهُمُ) ولا أنظر إلى الغرب كـ(آخر). الفارق الأكبر أن الغرب أكثر أخلاقيَّة في ما يتعلّق بالتأثر والتأثير، فكثيرون منهم يعترفون ويفتخرون بتأثرهم بشعراء ذوي أصول إسلاميَّة، بينما يعتبر القومجي أن ترجمة تيار فكري غربي جديد هو “غزو ثقافي”، وينظر المثقف/الشيخ العربي إلى أن التأثر بالغرب زنا واعتداء على إحدى حريمه: السيدة اللغة العربيَّة. وأنا مع (الغزو الثقافي)، ومع الاعتداء على (الحريم اللغوي العربيّ)

سوار الملاّ- المصدر

ماذا بخصوص لغة كالألمانيَّة؟ بهذا الصدد يقول المترجم السوري سوار الملّا الذي يترجم عن اللغة الألمانيَّة: “أن تقرأ بلغتين يعني أنَّك تمتلك ثقافتين، وهذا أمرٌ ممتع بقدر ما هو مفيد. بالإضافة إلى ذلك ثمة أشياء لا يمكنك قط قراءتها إن لم تكن تجيد أكثر من لغة، كما أن الترجمات وحدها قد لا تكفي في معظم الأحيان لفهم نصٍّ معيّن أو حتى للتعرّف إلى جماليّته. إجادة لغتين تسهّل عليك مهمة التأكّد من معلومات تعرفها أو تود معرفتها، كما إنها مفتاحٌ سحري لفهم العالم بصورة أوضح وأكثر دقّة، إنها نافذة إضافية تُبيِّن لك جانباً مستتراً من العالم من حولك. ثمة كتبٌ كثيرة، لا تكاد تحصى، ليست مترجمةً رغم أنها مهمّة وتتمتّع بجماليّة خاصّة، لكنها لسوء الحظِ لم تُترجَم، وهذه الكتب تحديداً لن يقرأها سوى ذاك الذي يتقن أكثر من لغة ويعرف أكثر من ثقافة”.

أشرف القرقنّي- المصدر

يذهب المترجم والشاعر التونسي “أشرف القرقنّي” إلى مكانٍ أشدّ تعقيداً حول الموضوع فيقول: “يمكنك أن تقول “أمّي” بكلّ اللّغات الممكنة. سوف يؤدّي ذلك وظيفته إخباراً أو نداءً أو غير ذلك. لكن، توقّف قليلاً. قلها بلغتك الأمّ. فقط، حينئذ يمكنك أن تصيب الهدف في عينه: استحضارُها مكتملةً ومنسابة مع صور من الذّكرى تُستعادُ في داخلك بقوّةِ ما هو كائنٌ حقّا. أعتقد أنّ اللّغة الأمّ تشبه بيت الطّفولة لدى غاستون باشلار. إنّه المكان/ الكيانُ. وهو محرّك الأمكنة الأخرى التي نمضي إليها لاحقاً. من عدسته الباطنيّة نطلّ على العالم ونختبره. لهذا يقول بعضهم إنّ اللّغة الأمّ نشعر بها ونحسّ بها (ويحلو لي أن أقول فيها بما أنّها تحتوي حضورنا في العالم على نحوٍ مّا). بينما اللغات الأخرى التي نتملّكها ونكتب بها حتّى، فنحن نفكّر بها وندرك بها مفاهيم ومعطيات وتصوّرات”.
يتابع أشرف: “تتنازع اللّغات في ذهن متكلّمها حسب الجاحظ. وأنا لا أخالفه تماماً. لستُ أملك تصوّراً دقيقاً لكيفيّة اشتغال الذّهن البشريّ في شتّى تفصيلاته، بما أنّ ذلك بصدد الدّراسة والاكتشاف المتجدّدين. لكنّني أكادُ أكون متيقّناً أنّه لا فصل بين هذا العرفان وبين المخيّلة وبالتّالي الذّاكرة. تقتحم اللّغات الأخرى التي يكتب بها الكاتب ويتداولها ذهنه. تخلق مساحات أخرى وتصوّرات كامنةً فيها، كانت قد اختزنتها طيلة تطوّرها الحيويّ في ثقافة مّا. وإذ تفعل ذلك تثري مخيّلتنا. لكنّنا لا نتعاطى مع الذّاكرة إلاّ من خلال المخيّلة. وعلى هذا الأساس يتبدّل ما كنّا قد عشناه سلفاً. يتغيّر على أنحاء مختلفة تختلف في الحدّة والشّكل. نراه من خلال حجبٍ شفّافة لكنّها تبدّل أبعاده وبالتالي تساهم في تغيير دلالاته. وإذا ما تغيّرت ذاكرتنا، فإنّ حاضرنا يتغيّر بدوره. الكتّاب الذين يقيمون في الخارج. وتكون لغة الاستعمال لديهم هي اللّغة المكتسبة، قد يخفّ حجم التّوتّر لديهم، بما أنّهم يجذّرون -وعلى نحو مستمرّ -انتماءهم إلى اللّغة الجديدة. اللّغة بدورها كائنٌ حيّ. وأن تتكلّم وتكتب خاصّة بأكثر من واحدة يعني أن يتنازع كيانك حبّ أكثر من امرأة ورجل في نفس الوقت”.

أيضاً موضوع مرتبط عن اللغة الأم. قصة من بودكاست This American Life عن عائلة هندية هاجرت إلى كندا ومحاولتهم مع أبنائهم في تعليم لغتهم الأم.

انضم إلى المحادثة

تعليق واحد

  1. شكرًا عبد الرحمن على الموضوع، أنا كما أعاني من دي المشكلة واكره نفسي بسببها الصراحة، خلال ال ١٠ سنوات الماضية دراستي وعملي وتواصلي مع زملاء العمل وغالبية المحتوى اللي استهلكه في يومي بالانجليزي، لما اتواصل مع أحد،دايما المصطلحات اللي تكون على طرف عقلي هي الانجليزية، واعتقد إنه كسل ذهني مني أكثر من أي شي آخر!

اترك تعليقًا

اترك رداً على العنود إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *