تجربة الاستقالة من العمل والسفر حول العالم

منذ عدة سنوات كان عملي لا يتطلب حضوري إلى المكتب، وكنتُ أحلمُ في السفر حول العالم مع العمل في نفس الوقت كما الكثير من الناس، وكنتُ دائمًا أُزعج زوجتي أننا يجب أن نسافر قبل زيادة المسؤوليات أو قبل أن تمنعنا الظروف من ذلك 😃.ارتباطي أنا وزوجتي بالعمل كان من أحد أهم الأسباب التي منعتنا حينها من تنفيذ فكرة السفر. في أواخر عام ٢٠١٨ علمنا بأننا سوف نُرزق بمشيئة الله بمولود جديد في شهر مارس ٢٠١٩، حينها قالت لي زوجتي: “أُفكر في أخذ إجازة أمومة في عام ٢٠١٩، لديك عام كامل لتننفّذ فيها ما تريد (أو بالعامية: لاتشغلنا!).”

هنا لمعت عيناي -مثل افلام الكرتون- وبدأت بالتخطيط. في البداية فكّرت في السفر والعمل عن بُعد في نفس الوقت، ولكنني استبعدت هذه الفكرة بسرعة لأنني حصلت على فرصة سابقًا للذهاب إلى مكان جميل، وبسبب العمل؛ لم أتمكن من الاستمتاع فيه وقضيت كل الوقت أمام الحاسوب؛ لذا استبعدت هذا الخيار مباشرة وقررت الاستقالة من عملي لعدة أسباب، منها:

  • أردتُ مواجهة بعض المخاوف لدي، مثل: ماذا لو لم يكن لدي وظيفة ومصدر دخل؟ كيف سوف تكون مشاعري عندما تكون لدي مصاريف والتزامات وليس هناك أي دخل؟
  • هل حصولي على وظيفة عند عودتي من السفر أمرٌ سهل؟ هل اكتسبتُ خبرةً لا بأس بها تمكنني من الحصول على وظيفة؟
  • هل بنيتُ علاقات قوية؟ وهل يمكنني الترشح لفرص وظيفية بمجرد اتصال؟
  • ما هو الدخل المادي المناسب الذي أحتاجه شهريًا كي أعيش حياة كريمة؟ (والمقصود بالحياة الكريمة هنا هو: سكن جيّد، تعليم جيّد للأبناء، الحصول على الخدمات الأساسية،…إلخ).

كل هذه الأفكار كانت تدور في عقلي حينها، طبعًا يمكن القول أن بإمكانك معرفة كل هذه الأمور دون الاستقالة من وظيفتك، ولكن أحيانًا بعض القرارات لا تكون محسوبة بشكل منطقي (ربما هي نعمة !!)، لكنني كنتُ مُصرًا على اختبار عدة أمور في تلك الفترة؛ لمعرفة نتائجها بحيث أتمكن من تصحيح المسار قبل فوات الأوان.

أحد الأسباب التي حفزتني لخوض هذه التجربة هو قدرتي على اتخاذ القرار في ذلك الوقت، حيث كان نمط حياتي مناسبًا لمثل هذه القرارات؛ بسبب عدم وجود التزامات مالية تمنعني من فعل شي متهور مثل هذا.

عقدتُ العزم وأعددتُ العدة أنني سوف أستقيل من عملي في شهر يونيو ٢٠١٩، بعد ولادة ابنتي بشهرين. 

تحدثتُ إلى مديري في العمل وطلب مني التأني، ولكنني كنتُ عازمًا على قراري. لكن الآن وبعد مرور ثلاث سنوات، لا أعلمُ كيف اتخذتُ هذا القرار 👀.

كانت الخطة المبدئية أن نسافر لمدة عام لأماكن مختارة حول العالم. عائلتنا صغيرة، تتكون مني انا وزوجتي وطفلين -أعمارهم: ٤ سنوات، ٣ أشهر-. في البداية كنا نخطط أن نمكث شهرًا في كل مدينة على الأقل؛ لصعوبة التنقل مع الأطفال. قررنا أن نبدأ السفر منتصف شهر يوليو ٢٠١٩، حيث كانت خطتنا قضاء أول ستة أشهر في أوروبا وشمال إفريقيا، ومن ثم ننتقل إلى آسيا. توكلنا على الله وقررنا أن تكون مدينة Budapest في دولة Hungary هي وجهتنا الأولى لمدة ٣٠ يوم. 

حطت رحالنا في مدينة Budapest، لكن للأسف كان الجو يميل إلى الحرارة، ومع بداية الرحلة تعرض ابني لمشاكل صحية؛ والتي ربما عكّرت صفو أول أيام رحلتنا. حالة ابني الصحية لم تسمح لنا بالخروج نظرًا لحرارة الجو؛ الأمر الذي دعانا إلى المكوث في المنزل لوقت طويل. أيضًا لم نتمكن من إيجاد وضع مناسب للأطفال مثل دور حضانة أو مخيمات صيفية كي يتسنى لنا قضاء الوقت كبالغين لوحدنا فكان الجو مرهقًا 😝، ولكن هذا لم يمنعنا من خوض الكثير من التجارب الجميلة. 

قمنا بتعديل الخطة، ففي الشهر التالي ذهبنا إلى مدينة Liverpool في UK حيث يقطن فيها أحد الأصدقاء والذي قام بتوجيهنا إلى مكان مناسب نسكن فيه، وساعدنا أيضُا في إيجاد حضانة لأحد اطفالنا. التجربة كانت رائعة بكل المقاييس.

لا أريد أن أُغرقكم بتفاصيل السفر، لكن بعد مرور ٣ أشهر على هذه الحالة، قررنا العودة الى الرياض؛ ففي الحقيقة كان السفر مرهقًا. مع العلم أننا كنا ننتقل كل شهر تقريبًا، لكن مجملًا كان الكثير من وقتنا يذهب للاعتناء بالأطفال.

كان الاستيقاظ كل يوم وقضاء فترة الصباح مع عائلتي دون أن يتوقع مني أحد في العالم أي شي من أجمل المشاعر التي لا يمكنني نسيانها. كان التحدي الأكبر بالنسبة لي شخصيًا هو عدم قيامي بعملِ  شيءٍ مفيد، فقد أعتدتُ دائمًا أن أُشغل نفسي بمشاريع جانبية أو عملٍ ما؛ الأمر الذي أثر على الاستمتاع باللحظات الصغيرة. 

هذه التجربة علمتني الكثير من مهارات الحياة مثل: الطبخ، الاعتناء بالاطفال…إلخ. أيضًا جعلتني أُقدّر الكثير من الأمور التي كنتُ أستمتعُ بها في حياتي الشخصية، وتعلمت أن أتأقلم عندما لا تكون متوفرة. أشعر أن تجربتنا هذه خففت علينا آثار الحجر الصحي في ظل جائحة كورونا، خاصة عندما كَثرتْ المهام علينا كعائلة صغيرة لا تعتمد على مساعدة خارجية في التربية وقضاء حوائج البيت.

عدنا إلى الرياض بعد مضي ٣ أشهر بلا أي خطط. لكن بوقت قياسي خلقنا روتينًا لأطفالنا؛ مما أعطانا مساحة لأنفسنا. شخصياً كنت أُخصص وقتًا كبيرًا للهوايات والاطلاع. على الجانب المهني لم تكن لدي خطة معينة، ولكني خضت العديد من النقاشات مع الأصدقاء والزملاء الذين رشحوني لعدة فرص. 

في بداية عام٢٠٢٠ شعرت أنني يجب أن أضع خطة للمرحلة القادمة، وبدأت جديًا في استكشاف الفرص الوظيفية. كانت مرحلة مختلفة؛ فمن توفيق ربي أنني توظفت مباشرة بعد الجامعة – حيث حصلت على عرض أثناء الدراسة- وتنقلت بين عدة وظائف، لكن لم أُجرب أن تكون لدي التزامات بلا عمل.

في الحقيقة هذا الشعور أخرجني من منطقة الراحة، سمح لي بمعرفة قيمتي في السوق الوظيفي وأظهر لي تصورًا عن: قوة العلاقات التي بنيتها، الخبرة،… إلخ. الفرص الوظيفية كانت متنوعة ولله الحمد، شعرت بالاستغلال في بعضها (كوني بلا عمل) من حيث: تقليل القيمة، وجدية الفرصة. 

في النهاية حصلت على فرصة في بداية شهر مارس ٢٠٢٠، أي بالضبط قبل أسبوعين من بداية الحجر الصحي بفعل جائحة كورونا؛ لذا لم يتسنَّ لي التأقلم مع بيئة المكتب، حتى أن أغلب جهات العمل بدأت تعمل من المنزل 😀. 

كما سمحت لي التجربة بـ: معرفة احتياجاتي، بعض الخدمات التي توفرها لي الوظيفة، التعايش مع شعور عدم وجود دخل مادي، حجم الوقت المُستنزف في قضاء أعمالنا، أيضاً منحتني تصورًا عن سوق العمل، خاصة فيما يتعلق بالوظائف الجزئية. 

لو عاد بي الزمن لاخترت خيار السفر والعيش لمدة سنة أو سنة ونصف في مكان واحد؛ حيث أنها أصلح لروتيني و وضعي العائلي.

بعض الأشخاص يسألني هل أنصح بعمل هذه التجربة؟ الاجابة: “أن هذا يعتمد على وضعك وهدفك”. بالنسبة لي كانت الطريقة في اتخاذ القرار كالتالي: هل سوف أندم عندما لا أنفذ هذه التجربة، لنقل بعد ١٠ سنوات؟ والجواب كان: نعم، وهكذا…

أُسعد بأسئلتكم في التعليقات إذا كنتم مهتمين بمعرفة تفاصيل معينة 😃.

انضم إلى المحادثة

4 تعليقات

  1. الله يعطيك العافيه عبدالرحمن لاشك ان الوظيفه هي استعباد القرن الواحد والعشرين وشر لابد منه ، ولكن بالمقابل كيف تجد مصدر دخل لحياه كريمه في ظل الظروف الراهنه وشح الوظائف فكرتك بالسفر رائعه ولكن مع الاطفال صعبه جداً العلاقات .
    مالمهارات اللازمه الذي تجعلك مؤهل لسوق العمل والتنقل بين عدة وظائف ؟

  2. وصلني شعورك في هذا الوصف “كان الاستيقاظ كل يوم وقضاء فترة الصباح مع عائلتي دون أن يتوقع مني أحد في العالم أي شي من أجمل المشاعر التي لا يمكنني نسيانها.” وابتسمت لا شعورياً ☺️.
    لان جربت جمال هالمشاعر فالايام القصيرة اللي نقتطعها لأنفسنا و نسافر غالباً تكون يومين ثلاثه ، شلون لو كانت ٣ أشهر متأكده بنطلع من هالتجربة بتغيرات جذرية على مستوى الوعي و السلوكيات مع النفس و العلاقات وترتيب الأولويات وغيره .

    بالإضافة انها يمكن مثل هالتجربه تعالجنا من التعلق باي شيء الا بالله سبحانه .

    دايماً يشغلني موضوع التعلق انه مع الاعتياد والوقت والروتين و الانسان يتعلق باشياء ممكن مو المفروض انها يتعلق فيها ، التخفف حلو و احب أذكر بحديث الرسول اللهم صل وسلم وبارك عليه : ” مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ” .

    وهذي واقعية الحياة وياجمال الشعور والخفه في هالمرحلة ، ان نكتفي بالظل يمكن يكون هو الشيء الوحيد اللي نحتاجه.

    شاكره لك مشاركتك لنا تجربتك أستمتعت جداً بقرائتها وكأنني عشتها .

  3. “كان الاستيقاظ كل يوم وقضاء فترة الصباح مع عائلتي دون أن يتوقع مني أحد في العالم أي شي… ” لامست الجرح . أكتب لك هذه الكلمات من على طائرة العودة من رحلة استجمام طال انتظارها.

    شعور العودة غريب ويشوبه بعض من الحسرة. يا ترى كم يكفي حتى يختفي هذا الشعور؟ شهر أم شهرين؟ سنة أم سنتين؟

  4. الْسَّلامُ عٓلٓيْكُم وٓ رٓحْمٓةُ اللهِ وٓ بٓرٓكاتُهُ
    فكرتك جميله ولكن نفذتها بالطريقة الخطا
    ليش
    روحت بودابست شهر
    طيب اعجبتك ولالا
    علشان تقرر تجلس فيها شهر

    اعتقد الطريقة الصحيحة من وجهة نظري
    أنك تكون متنقل طول الوقت وإذا أعجبك مكان تجلس فيه طول منت مرتاح

    ثانيا
    افضل انك تبتدا من امريكا
    او من استراليا وبعدين تنزل على شرق اسيا

    لتنوع المناطق من بارده الى حاره الى فخمه ومتطوره الى فقيره وبسيطه

    بينما اوروبا متشابه الى حد كبير فما فيه فرق
    متى تصلح اوروبا اذا كنت تبغى تاخذ كوخ في سويسرا وتجلس فيه وتعيش معا اصحاب البيت ترعى البقر وتحرث معهم الزرع وتقطع الحطب

    تابع الرحال عمر العمير وكثير من الاجانب
    تجدهم في المناطق الافريقية
    وتقبل تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *